أسرار الشغف الأمريكي بالصوفية في بلوشستان

 

أسرار الشغف الأمريكي بالصوفية في بلوشستان

المصدر: صحيفة "ذا نيشن" الباكستانية الناطقة بالإنجليزية

الكاتب: فاروق حميد خان*

ترجمة: شيماء نعمان

تلقت المساعي الأمريكية الحثيثة لتأسيس قنصليتين جديدتين في كويتا ومولتان من أجل تأمين موطئ قدم دائم للولايات المتحدة في إقليمي بلوشستان وجنوب البنجاب ضربة قوية بعد رفض المؤسسة الأمنية الباكستانية، لاسيما في أعقاب واقعتي "رايموند ديفيس" و"أبوت آباد".

وذكرت التقارير، أن الخارجية الباكستانية قد رفضت السماح للولايات المتحدة بفتح تلك القنصليات الجديدة، في الوقت نفسه كشف إعلان السفير الأمريكي "كاميرون مونتير" مؤخرًا أن "بلوشستان طالما كانت ذات أهمية بالغة للولايات المتحدة" ـ عن نوايا القوة العظمى في العالم لاسيما في سياق هاجسها لفتح القنصلية الجديدة في كويتا.

وفي مطلع عام 2010م، حددت السفيرة الأمريكية السابقة "آن باترسون" سببين رئيسيين لفتح قنصلية في "كويتا"، وهما: مراقبة أعمال التنمية التي يقوم بها الأمريكيون في بلوشستان، وضمان صلة وثيقة مع الأهالي البلوش من أجل توفير مرفق تأشيرات سريع بدلًا من التعامل مع القنصليات الأمريكية في كراتشي وإسلام آباد، إلا أن الباكستانيين مع ذلك يرون هذه الأسباب غطاء لخطط أمريكية أكثر خبثًا في الإقليم.

بالرغم من ذلك، فإن السفير "مونتير" ليس على استعداد للاستسلام بسهولة، فقد قام مؤخرًا بزيارة إلى "كويتا"؛ التقى خلالها بوزير بلوشستان الأول ورئيس البرلمان من أجل حشد التأييد لفتح القنصلية التي كان من الجلي عدم الموافقة عليها.

 وقد عارض زعماء البلوش كذلك الشكوك الأمريكية بشأن وجود قياديين من تنظيم القاعدة وحركة طالبان في الإقليم، أو تسلل طالبان من أنحاء "كويتا" إلى داخل أفغانستان، وتشير مثل هذه الرواية أيضًا إلى وجود أجندة أمريكية لتوسيع دائرة الحرب الأفغانية إلى بلوشستان.

والسؤال الآن هو: لماذا يعتبر وجود قنصلية أمريكية في مدينة كويتا متعارضًا مع مصالح باكستان الأمنية؟

 ربما لأن ذلك سيكون بمثابة منصة انطلاق لتدخل أمريكي أكبر في شئون بلوشستان لتعزيز المصالح الأمريكية في المنطقة، وما يخشى منه أنه من المرجح أن يكثف أفراد الأمن الأمريكيين من أنشطتهم السرية، ويعززون من عمليات التمرد في الإقليم على نحو أكبر، بالتنسيق مع الجماعات البلوشية التي ترعاها وكالة الاستخبارات الهندية.

ونقل تقرير إعلامي حديث وهام عن مصادر رفيعة المستوى بوزارة خارجيتنا (باكستان): (إننا تلقينا في الواقع الكثير من المراسلات السرية من قبل وكالات الأمن، حول ضلوع نشطاء وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA في عدد من المؤامرات الشائنة ضد باكستان، وهذا هو سبب رفضنا السماح لهم بتأسيس قنصليات جديدة).

إن للولايات المتحدة مصالح إستراتيجية جلية في بلوشستان ذات الثروات المعدنية؛ والتي توفر ممرًّا للتجارة الإقليمية والطاقة إلى أفغانستان ودول آسيا الوسطى الغنية بالطاقة، ووفقًا لتقارير إعلامية فإن الولايات المتحدة تتطلع إلى ترتيبات في مدينة "جوادر" لمراقبة الأنشطة الصينية في المنطقة، ومن ثم فإن تواجد أمريكا في بلوشستان يمكن أن يهدد أمن مشاريع إستراتيجية من المرجح أن يبدأ العمل بها في عامي 2011م و2012م، بما في ذلك المرحلة الثانية من تطوير البنية التحتية لميناء جوادر تحت رعاية الصين، وبناء خط أنابيب الغاز بين باكستان وإيران، ومنشأة تعدين النحاس والذهب؛ وجميعها لا تتلاقى مع المصالح الإستراتيجية الهندية ـ الأمريكية في المنطقة.

بالرغم من ذلك، عكس مؤخرًا تصريح لقيادي بارز بـ"الحزب الشعبي الوطني" المصلحة الأمريكية في تقسيم الإقليم على أسس لغوية وعرقية، مشيرًا إلى فكرة إقامة محافظة "جنوب باختونخوا" في المناطق التي يهمن عليها البشتون، والتي ترتبط بالمخططات طويلة الأجل الخاصة بـ"باختونستان" الكبرى.

في السياق نفسه، كان السفير الأمريكي قد شارك منذ بضعة أشهر في مجلس عشائري للبشتون في "كويتا"؛ وهو الحدث الذي أثار الكثير من الدهشة في إسلام آباد، ويبدو أن زعماء البلوش عى دراية بمثل تلك المؤامرة وقد رفضوا أية خطة لتقسيم الإقليم.

 

وفي مقال بعنوان "زعزعة الاستقرار في باكستان" يرجع تاريخه إلى 12 مايو 2011م، كتب د."ستيوارت جين برامهول": (بتعقب نوع من الأنماط المألوفة، فإن هناك دلائل على وجود دعم وتحريض لعمليات التمرد البلوشي من قبل بريطانيا والولايات المتحدة، فواشنطن تنحاز إلى وجود "بلوشستان الكبرى"؛ التي من شأنها أن تدمج بين مناطق البلوش في باكستان مع تلك التي في إيران، وربما أيضًا مع الطرف الجنوبي لأفغانستان، مما سيؤدي إلى عملية تمزق سياسي في كلٍّ من إيران وباكستان، وتكمن الخطة الأمريكية في إثارة الانقسامات الاجتماعية والعرقية والطائفية والتشرذم السياسي؛ بما في ذلك التقسيم الإقليمي لباكستان).

دعم الصوفية والشذوذ الجنسي:

إن مصلحة الولايات المتحدة في جنوب البنجاب من خلال شغفها المفاجئ بالطائفة الصوفية / البارليفية قد أدى إلى إعادة ترميم عدد من الأضرحة الصوفية، وكانت باترسون قد أعلنت عن منح سخية لحماية وترميم ثلاثة أضرحة في جنوب البنجاب في إطار صندوق السفير للحفاظ على الموروث الثقافي، ومع ذلك فإنه ليس من المعروف كم من هذه الأموال كانت تستخدم فعلًا للغرض المقصود.

وقد اقتفى السفير "مونتير" خطوات باترسون؛ حيث قام أثناء زيارته الأخيرة لمدينة "مولتان" بوضع إكليل من الزهور على ضريح حضرة "شاه شمس"، كما أكد مجددًا على دعم الولايات المتحدة من أجل استعادة الضريح لسيرته الأصلية الأولى.

ومما لاشك فيه أن اللعبة الأمريكية المزدوجة واضحة للعيان، فبينما يقومون من ناحية بتقديم أنفسهم على أنهم مؤيدون للإسلام الصوفي، قامت السفارة الأمريكية في إسلام آباد من ناحية أخرى بتنظيم مراسم الاحتفال الأول الخاص بالمثليين من الجنسيين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسيًّا، كما أكدت لمشاركيها الباكستانيين أن واشنطن ستواصل دعم قضيتهم في البلاد.

مساع أمريكية بريطانية وتساؤلات جدية:

وتشير التقارير، إلى أنه بعد إخفاق وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في الحصول على أرض في مدينة "ديرا غازي خان"، فإن المحطة التالية للاختيار هي "مولتان" بكل وضوح، إذ أنه بفضل مشروع تصنيع المانجو الممول من جانب الولايات المتحدة، فسيتم تسهيل الوصول الأمريكي إلى المناطق الداخلية في جنوب البنجاب، كما أننا نشهد حاليًا كذلك جهودًا أمريكية بريطانية منسقة من أجل التواصل مع الزعماء والشخصيات ذات النفوذ في جنوب البنجاب.

وهناك بعض التساؤلات وهي: هل الدعم الأمريكي للصوفية يهدف إلى تعزيز الكراهية والانقسام الطائفي في بيئة مستقطبة فعليًّا دينيًّا وثقافيًّا في المجتمع الباكستاني؟ أم أن إستراتيجية إدراك ثقافة المزارات الصوفية ليست إلا غطاء لبناء صلات مع بعض الجماعات الدينية المحظورة من أجل زعزعة استقرار جنوب البنجاب؟

هل نرى أي صلة أمريكية أو بريطانية بالتحرك المفاجئ للحزب الحاكم لتأسيس محافظة لـ(السرايكي)؟ وهل انزلقت بعض الشخصيات الرفيعة أو الشخصيات السياسية الانتهازية الجائعة إلى السلطة في جنوب البنجاب إلى الفخ الأمريكي أو البريطاني؟ وهل هذه مؤامرة لبلبلة البنجاب وتقسيمه وخلق الكراهية على أسس لغوية وعرقية لإضعاف باكستان؟ وهل من الضروري كذلك مراقبة تحركات الدبلوماسيين الأجانب؟

إن وجود قنصليات أمريكية جديدة في كلٍ من كويتا ومولتان يمثل في الواقع تهديدًا لأمن باكستان، ويتعين علينا ألا نرضى بحلول وسط من أجل مكاسب سياسية ومصالح خاصة على المدى القصير، والتمسك بدلًا عن ذلك بموقفنا المبدئي المعارض لافتتاحهما.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* فاروق حميد خان: عميد متقاعد، وهو محلل سياسي ودفاعي باكستاني.